مؤلف مجهول
292
كتاب في الأخلاق والعرفان
واختلفوا في حقيقة التّوكّل ومعناه ، فسئل أبو هاشم بن أبي عليّ الجبّائي « 1 » عن التّوكّل ، قال : الايتمار بما أمر والثّقة بما وعد . وقال جنيد بن محمّد : التّوكّل اعتماد جواهر القلوب على اللّه بإزالة الأطماع عمّا سواه . وسئل بعضهم فقال : استعمال السّبب مع ترك الاختيار . وسألت مشايخ الصّوفيّة عنه ، فقالوا : الأخذ عن اللّه والسّكون تحت الحكم . وأصله عندي ذكر وفاء الضّمان ، وهو أن يذكر بقلبه أنّ اللّه يفي للعبد ما ضمن له من المصلحة طلب أو لم يطلب ، عمل أو لم يعمل ، ملك أو لم يملك ، وليس للمؤمن أن يتوكّل على ضيعة عامرة أو غلّة مثمرة أو كنز مدّخر أو أب شفيق أو صديق حميم أو سلطان قاهر أو غنيّ كريم ، فإنّ الأشياء ومالكيها تحت أسباب العجز تهبّ عليهم رياح الفناء [ و ] تضربهم أمواج البلاء « 2 » أمّا الأحياء فعقباهم الموت وأمّا الأموال فغايتها الفوت ، فعار للمريدين التّوكّل على شيء سوى المعبود الّذي بيده مفاتيح الأقدار وخزائن الأرزاق وأسباب القضاء ، قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ « 3 » عرّفه بطلان الثّقة بمن دونه . وقال عزّ من قائل : فَإِنْ تَوَلَّوْا يقول : فإن أعرضوا عن قبول ما جئت به فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ يعني ثقتي باللّه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يقول : لا معبود على الاستحقاق ولا مفزع في النّائبات إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني على حفظه اعتمدت وبفضله وثقت وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ « 4 » ربّ الملك الكبير . فأمره عند إعراض الخلق عنه بالتّوكّل على خالقه والثّقة به والسّكون إليه .
--> ( 1 ) . أبو هاشم وأبوه أبو عليّ الجبّائيان من أكابر المعتزلة ، مات الأب في سنة 303 والابن في 321 للهجرة . ( 2 ) . في الأصل : البلايا . ( 3 ) . الفرقان : 58 . ( 4 ) . التّوبة : 129 .